تلعب التعاونيات الزراعية دوراً محورياً في النهوض بالقطاع الفلاحي، خاصة في دعم صغار المزارعين الذين يواجهون تحديات متعددة، من محدودية الموارد، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، إلى نقص التمويل والتكوين. من خلال العمل الجماعي وتقاسم الموارد والخبرات، تمكنت العديد من التعاونيات في المغرب والعالم العربي من تحقيق نجاحات بارزة، ساهمت في تحسين دخل المزارعين وتعزيز قدرتهم على المنافسة.
تجربة احدى التعاونيات في جهة درعة تافيلالت تمثل مثالاً يحتذى به. هذه التعاونية، التي تضم أكثر من 60 مزارعاً صغيراً، ركزت على إنتاج وتسويق التمور ذات الجودة العالية. عبر تجميع الإنتاج، استطاعت التعاونية التفاوض على عقود بيع مباشرة مع شركات التوزيع الكبرى، مما مكن المزارعين من الحصول على أسعار أفضل مقارنة بالبيع الفردي عبر الوسطاء. كما وفرت التعاونية خدمات تدريبية لأعضائها في مجالات التغليف، المحافظة على الجودة، والتحكم في تقنيات السقي المقتصد للماء.
وفي منطقة سوس، برزت عدة تعاونيات نسائية متخصصة في إنتاج زيت الأركان ومشتقاته. هذه التعاونية لم تكتف بتسويق منتجاتها محلياً، بل نجحت في ولوج أسواق التصدير نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، بفضل اعتمادها على شهادات الجودة البيولوجية والتسويق عبر المنصات الرقمية. هذا النجاح انعكس بشكل مباشر على الوضع المعيشي لعضوات هاته التعاونيات، حيث ارتفع دخلهن السنوي وتحسن مستوى التعليم والصحة لأسرهن.
أما في شمال المغرب، فقد أنشأت مجموعة من صغار منتجي الخضروات والفواكه تعاونية عملت على تجهيز وحدة تبريد وتوضيب جماعية. هذا الاستثمار المشترك مكن الأعضاء من إطالة فترة صلاحية منتجاتهم، وبالتالي تسويقها في فترات يكون فيها الطلب والأسعار أفضل. كما ساعدتهم التعاونية في الحصول على التمويلات، بفضل الضمانات الجماعية التي تقدمها.
لكن دور التعاونيات لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والبيئي. فهي فضاء لتبادل الخبرات واعتماد ممارسات زراعية أكثر استدامة، مثل الزراعة البيولوجية، التسميد العضوي، وتدوير النفايات الزراعية. إضافة إلى ذلك، تساهم التعاونيات في تعزيز التضامن بين المزارعين، وتقوية قدرتهم على التفاوض مع السلطات والفاعلين الاقتصاديين.
النجاح الذي تحققه هذه النماذج يعتمد على عدة عوامل: وضوح الرؤية المشتركة، الشفافية في التسيير المالي والإداري، الاستثمار في التكوين المستمر، وبناء شراكات قوية مع مؤسسات الدعم والتسويق. كما أن انخراط الأعضاء بروح جماعية، وتوزيع المسؤوليات بشكل عادل، يمثلان ركيزة أساسية لاستدامة هذه النجاحات.





استعراض لقصص نجاح التعاونيات ودورها في دعم صغار المزارعين
قبل الانضمام إلى التعاونية، كان عبد القادر، مزارع من منطقة الحاجب، يبيع محصول التفاح بأسعار يفرضها الوسطاء، وغالباً ما كانت هذه الأسعار لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج. لم يكن لديه مخزن تبريد، وكان يضطر لبيع كل المحصول في فترة قصيرة بعد الجني، مما يجعله تحت ضغط كبير لتصريف الإنتاج. بعد انضمامه إلى تعاونية محلية متخصصة في تسويق التفاح، تغيرت المعطيات. وفرت له التعاونية إمكانية تخزين المحصول في وحدة تبريد جماعية، ما سمح له بانتظار ارتفاع الأسعار في السوق. كما استفاد من دورات تكوينية في قطف و فرز وتوضيب الفاكهة، مما رفع جودة المنتج وفتح أمامه أسواقاً جديدة. اليوم، يؤكد عبد القادر أن دخله السنوي تضاعف تقريباً، وأنه أصبح قادراً على الاستثمار في تحسين بستانه.
في منطقة سوس، تحكي فاطمة، عضوة في تعاونية نسائية لإنتاج زيت الأركان، أن حياتها قبل الانضمام كانت تعتمد على بيع كميات صغيرة من الزيت في السوق الأسبوعي، بأسعار زهيدة، مع مجهود بدني كبير في الإنتاج اليدوي. بعد الانخراط في التعاونية، تم تجهيز وحدة عصرية لاستخلاص الزيت مع احترام المعايير الصحية، وتم الحصول على شهادة المنتوج البيولوجي، مما مكن من التصدير إلى أوروبا. فاطمة تقول: “لم أكن أتخيل يوماً أن منتوجنا سيصل إلى محلات في باريس أو برلين. اليوم، ليس فقط دخلي هو الذي تغير، بل إحساسي بقيمتي ومكانتي كامرأة منتجة في المجتمع”.
أما في الشمال، في قرية صغيرة قرب شفشاون، كانت مجموعة من المزارعين يعانون من كساد متكرر للمنتوج بسبب صغر حجم الحيازات وصعوبة الوصول إلى الأسواق الكبرى. بعد تأسيس تعاونية “الريف الأخضر”، قام الأعضاء بشراء شاحنة تبريد مشتركة، ووقعوا اتفاقيات مع موزعين في الدار البيضاء وطنجة. أحمد، أحد الأعضاء، يصف الوضع قائلاً: “قبل التعاونية، كنا نبيع للخضّار في القرية بأسعار بخسة. الآن، نحن من نتفاوض مباشرة مع المشترين الكبار، ونحدد السعر وفق جودة منتوجنا، وهذا أعطانا نفساً جديداً للاستمرار في الزراعة”.
تجارب أخرى من مناطق مختلفة تثبت أن التعاونيات لا تقدم فقط حلولاً لتسويق المنتوج، بل تفتح آفاقاً للتكوين وتطوير المهارات. المزارعون يتعلمون كيفية تحسين الإنتاج، اعتماد أساليب زراعية مستدامة، إدارة مالية جماعية، وحتى تسويق إلكتروني. في بعض الحالات، وفرت التعاونيات قروضاً صغيرة لأعضائها لشراء معدات حديثة، مما انعكس مباشرة على الإنتاجية.
من الناحية الاجتماعية، ساهمت هذه التجارب في تعزيز التضامن بين المزارعين، وخلق شبكات دعم قوية، حيث أصبح الأعضاء يتشاركون المعلومات، المعدات، وأحياناً حتى اليد العاملة في فترات الذروة. كما أن نجاح بعض التعاونيات شجع الشباب على العودة إلى النشاط الفلاحي بدل الهجرة نحو المدن أو الخارج.
العوامل التي ميزت هذه النجاحات متعددة: القيادة الحكيمة داخل التعاونية، وضوح الرؤية، الالتزام الجماعي، الاستثمار في الجودة، والقدرة على بناء شراكات مع مؤسسات دعم وطنية ودولية. الأهم من ذلك هو التحول في عقلية المزارع، من العمل الفردي المحدود الإمكانيات، إلى العمل الجماعي القادر على المنافسة وتحقيق القيمة المضافة.
من الطموح إلى الواقع: أسباب تباطؤ الحركة التعاونية في الزراعة المغربية
غير أن واقع التعاونيات بالمغرب ليس دائماً مثالياً، إذ إن عدداً كبيراً من التجارب لم يحقق النجاح المرجو، وتوقف نشاطها بعد فترة قصيرة من التأسيس. هناك عدة أسباب تفسر هذا التعثر، أبرزها غياب ثقافة العمل الجماعي لدى بعض المزارعين، حيث يسود منطق المبادرة الفردية والبحث عن الربح السريع بدل الالتزام برؤية جماعية طويلة المدى. كما أن ضعف التسيير الإداري والمالي، وعدم توفر كفاءات مؤهلة داخل التعاونيات، يؤدي في كثير من الأحيان إلى سوء التدبير وغياب الشفافية، مما يفقد الأعضاء الثقة ويزيد من الخلافات الداخلية.
عامل آخر يتمثل في ضعف المواكبة المؤسساتية بعد مرحلة التأسيس. فالكثير من التعاونيات تستفيد من دعم أولي لتجهيزات أو تكوينات، لكنها تترك بعد ذلك تواجه تعقيدات السوق والمنافسة دون تأطير كافٍ، فتتعرض للتراجع أو التوقف. كما أن صعوبة الولوج إلى التمويل بسبب محدودية الضمانات، تجعل العديد من التعاونيات عاجزة عن تطوير بنياتها أو الاستثمار في تقنيات حديثة.
من جانب آخر، يطرح غياب قنوات تسويق منظمة مشكلة حقيقية. إذ تبقى معظم التعاونيات رهينة الوسطاء وأسواق الجملة، مما يضعف قدرتها على فرض أسعار منصفة. وعندما تغيب رؤية واضحة لعقود بيع أو شراكات مع مسالك توزيع عصرية، تتحول التعاونية إلى مجرد إطار شكلي دون تأثير فعلي على دخل أعضائها.
إضافة إلى ذلك، فإن الطابع الموسمي للأنشطة، وتذبذب التزام بعض الأعضاء الذين يغادرون عند أول خلاف أو صعوبة، يضعف استمرارية الكثير من التعاونيات. وفي بعض الحالات، تؤدي الصراعات الشخصية أو العائلية إلى تعطيل العمل الجماعي وتحويل التعاونية إلى ساحة نزاعات بدل فضاء تعاون.
هذه التحديات مجتمعة تفسر لماذا، رغم النجاحات المسجلة في بعض الجهات والقطاعات، ما تزال الحركة التعاونية الفلاحية بالمغرب بطيئة في الإقلاع مقارنة بالإمكانات الكبيرة التي توفرها، ولِمَ لم تصل بعد إلى مستوى التنظيم المهني المتماسك القادر على لعب دور قيادي في تحديث الزراعة الوطنية.











